ابن قيم الجوزية
325
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
دينه ، وتوحيده ، وتصديق رسله ، واللّه سبحانه وتعالى حكيم ، يضع العطاء في مواضعه . وتكون هذه الآية مثل قوله 6 : 53 وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا ؟ أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ؟ . فإنهم أنكروا أن يكون اللّه سبحانه أهّلهم للهدى والحق ، وحرمه رؤساء الكفار وأهل العزة منهم والثروة ، كأنهم استدلوا بعطاء الدنيا على عطاء الآخرة ، فأخبر سبحانه أنه أعلم بمن يؤهله لذلك ، لسر عنده من معرفة قدر النعمة ورؤيتها من مجرد فضل المنعم ومحبته وشكره عليها ، وليس كل أحد عنده هذا السر ، فلا يؤهل لهذا العطاء كل أحد . [ سورة هود ( 11 ) : آية 56 ] إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 56 ) أخبر عن عموم قدرته تعالى ، وأن الخلق كلهم تحت تسخيره وقدرته ، وأنه آخذ بنواصيهم . فلا محيص لهم عن نفوذ مشيئته وقدرته فيهم . ثم عقب ذلك بالإخبار عن تصرفه فيهم ، وأنه بالعدل لا بالظلم ، وبالإحسان لا بالإساءة ، وبالصلاح لا بالفساد . فهو يأمرهم وينهاهم إحسانا إليهم وحماية وصيانة لهم . لا حاجة إليهم ، ولا بخلا عليهم . بل جودا وكرما وبرا ولطفا ويثيبهم إحسانا وتفضلا ورحمة . لا لمعاوضة واستحقاق منهم ودين واجب يستحقونه عليه ويعاقبهم عدلا وحكمة . لا تشفيا ولا مخافة ولا ظلما . كما يعاقب الملوك وغيرهم . بل هو على الصراط المستقيم . وهو صراط العدل والإحسان . في أمره ونهيه ، وثوابه وعقابه . فتأمل ألفاظ هذه الآية وما جمعته من عموم القدرة ، وكمال الملك ، ومن تمام الحكمة والعدل والإحسان ، وما تضمنته من الرد على الطائفتين ، فإنها من كنوز القرآن . ولقد كفت وشفت لمن فتح عليه باب فهمها . فكونه تعالى على صراط مستقيم : ينفي ظلمه للعباد . وتكليفه إياهم ما